المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هـدوء !! خذ كل دمي .. وأعطني شربة من هدوء


جرة قلم
14-May-2010, 09:29 PM
مدخل //

جميل هذا المدعو : هدوء , جميل وجذاب , بخيل وغيّاب , له قيمة غالية ونادرة كألماسة ساحرة بل أغلى , إن وجدته فلا تفرط فيه , عض عليه بأسنانك وأقسم له بألا يغادرك حياً ..


أيها الهدوء .. متى تعود ؟ أغرقني الضجيج , ونال مني العناء , أيها السكون تعال .. أنزل بي وتخلل مساماتي وتشربني ولأشربك , حط رحالك بعيون آذاها السهر , وتمدد بكبد أحرقها الغياب , سافر في مسارب العروق مني , ونقي قلباً عربد الصخب فيه واستعمره الوهم والضيق .. شرق وغرب في ذاتِ مغتربة , وخالط عظماً ولحما ودماً وروحاً كلها ظمئ لك .


أيها الهدوء تعال .. لترفق بمضنى موكل بكل شئ سواك .. حتى فضاء الله يذرعه يمنة ويسرة .. يفتش عنك فلا يجدك ..

أيها الهدوء تعال .. منذ أن رحلت عني وأنا أعيش كوابيس الحياة .. متى ترفق بفؤاد لم يعرف دغلاً على الناس , أو يسمح للسواد بالسكنى فيه ..



أيها الهدوء .. حتى أحرفك تسحرني : هاء , ودال , وواو .. منسابه تخدر روحاً منهكة .. هذا الخدر اللذيذ يجري في دمي حتى وأنا أنطق باسمك .. ألهث لهاثاَ فظيعاً .. فأنا كمن يجري ويطارد روحاً لحبيب خرجت للتو من فمه يريد أن يمسك بها ليعيديها قبل أن تعرج نحو السماء .. وفي نفس اللحظة يطارده انفجار يحرق الصخر ويذيب الحديد وأراه يلامس ثيابي ليذيب كل شئ مني .



أيها الهدوء تعال .. فثم أمكنة تشتاقك , وعطش لا يرويه إلاك , وعطر يبرد برحيلك وأزاهير تذبل بتواريك .. وأوجه تموت متخشبة ,,

حدثوك أننا فتشنا عنك في سويعات أصيل, في ضاحية بعيدة لا يعوي فيها بشر ؟

حدثوك أننا صحونا سحراً نطلبك لنروي الروح منك ؟

أخبروك أننا سألنا البحر عنك ؟ وسألنا الكهول والصبيان والرجال والنساء أين الهدوء ؟

هل مر بكم من هذا الطريق فاتناً لا تلمسه الأيادي يرفل في حرير أبيض ؟

أشاهدتك عيوناً رسى الحرمان على أهدابها تتساءل بشغف عن مقدم ابيضِ شفافِ ملئ بالضياء يمر من هنا مختالاً في مشيته ؟





أيها الهدوء تعال .. فـ هــ اهنا مدن لا تنام أرقها السهر , والشوارع تريد أن تغفو أضناها الركض , والنبض يوشك أن يكل . الجفون تعلن التمرد وتلعن الأفق , وهناك قلب لا يزال يرتل تعاويذ الحياة ويهمهم بصلوات البقاء , يخشى من سكات ينقض عليه ..




أيها الهدوء تعال .. فشبح الموت يحيل السواد إلى حلكة , والمشهد إلى قتام , ولا حل سواك ..


أين أنت أيها الهدوء ؟ أين تختبئ بربك ؟



في عطاء وبذل لفقير أو ضعيف ؟ في الشعور بوجود في وطن يحبو والحضور بقوة في ضميره , في صفحة مصحف يهمهم بها عابد لربه بصوت خاشع منكسر ؟ أم في صحن الكعبة الأبيض الساحر في سويعات السحر يطوف بها مدنف أهلكه الشوق لك ترك كل شئ خلف ظهره ؟ أم تحت أقدام أم رسم الزمان عليها بصمة تصديق بالروعة والعطاء وضمها لديوان الملاك من البشر ؟ أم في نسمة عليلة من جهة الشمال يهيج أشجان الحنين بالقلب ؟ أم في صومعة بعيدة عن كل عاوي من الناس ؟ أم في مخادنة كتاب يرافقك وترافقه ؟ أم جلسة في السحر ؟ أم في ضحى يوم بارد يهفهف عليك الشذى من هنا وهناك وقهوة الصباح تحدثك أن الحياة طيف ؟ أم في حديث عاشقين تقطر العذوبة من كلماتهما ؟ أم صوت أخاذ يطرب روحك يترنم بها صوت يشنف منك الفؤاد , ويرنو بك نحو أفق بعيد ؟ أم في موتة ساكنة يحثو بها عليك أحبابك التراب , وقد غادرتهم وهم راضون عنك .. ؟


بالله أجبني ؟


مخرج //

كل يفتش عن شئ , كلهم يبحثون , يصبحون ويمسون يركضون وينظرون .. كأنهم فقدوا شئياً والحال يقول : يرحلون وقليل منهم وجد ما فقد .. ففتش عما أنت تفتش عليه


وبسسسس .



جرة قلم .. والزمان الذي يقلبك ويلعب بك .

جرة قلم
15-May-2010, 02:47 PM
ومر عام ..

مامن رفيق ولا خوي .. والليل الأليل ماسرى
يارب والحزن يعوي .. ذيبه بروحي وافترى ..
يارب عونك ياقوي .. لا صار ماحولي ذرى .. !


تجمد الكلم على شفتي , وذبلت أوراقي .. وشاخت روحي قبل أوانها ..
جف حبري .. وباتت أحرفي باهتة بلا طعم ولا لون ..
منذ أن رحلت وأنا أقوم فزعاً في سكون الليل , كطفل ماتت أمه ليلة البارحة ..
أنزوي في ركن غرفتي , أشعر بخوف ووحشة تحتويني ..
أصبت بالذعر من الليل.. من النوم .. من المساء .. من الحلم .

ومر عام ..

وكم زاد فيه كرهي لنفسي .. ونفرتي من الأصوات بداخلي ..
ليتني أعرف من ( أنا بداخلك ) قبل أن ترحل ..
هدني الإعياء والله .. وارتبك في كل شئ ..

فوضى عارمة وبعثرة مخيفة تعبث بي .
كومة من الساعات أنا .. حطام من متهالك من انسان .*
يارب من ينتشلني من ركام الحزن إلاك ..

باختصار شديد : ( ت ع ب ت ) صررت أكررها كثيراً
شعور بغربة تستوطن ذاتي وأنا بين أهلي وفي مدينتي ..
شعور أني مسكون بالوحشة , ومأخوذ بالحزن ..

ومر عام ..
وارتبكت نفسي ولم أعد عرف بوصلة اتجاهي .. ضياع وحيرة وتوهان ..
وصراخ بداخلي لا يكف ..

غصة تعترض حلقي تمنع عني الهواء ..
وغصة سكنت صدري ..
ودمعة رافقت وسادتي ..


أهرب نحو الفضاء .. وتعرفت على طرق المدينة في هدأة الليل حتى عرفتني ..
أواه من الذكرى التي أقبلت نحوي تنوح ..
أين المهرب منها ..
ويلاه من المساء عندما يجئ ..
ويلاه من العيد عندما يدق بابنا ..
ويلاه من ليلة رمضان ..
ويلاه من وجوه أصحابك وعيونهم ..
ويلاه من دموعي التي أنهكتني ..
ويلاه من كلماتك التي ترن بعمق روحي ..
ويلاه من حديث أسمعه في أذني ..



خذ بيدي يارب
خذ بيدي يا الله ..
فقد خذلني الناس ..
وفارقني الخلان ..

واحتواني الليل .. وجاءتني جيوش الضيق مع المساء ..
بسمات كاذبة وضحكات صناعية وعيون تذبل ووجوه تموت ..
أخدعهم جميعا عندما أدعي الحياة , وأمثل العيش ..


طعم تافه .. وأيام باردة .. وصقيع يعربد بدواخلنا ..

اشتقت لوجهك .. اشتقت لصوتك ..
اشتقت لمجلس أنت نوره وضياؤه ..
ليتني من غادر بدلاً عنك ..
فأنا زائد على هذه الحياة وأنت أصل بها ..

جرة قلم
15-May-2010, 02:54 PM
غياب يملأ الحضور


غبت عنهم كثيراً , ومازلت غائبا .. عن نفسي عن قلبي عن ضميري عن وجه أمي .. شتات الروح في سديم الملكوت .. لا تلوي على شئ .. تعاني الغربة التي ورثتها منذ الطفولة , طفل برئ عاش نقياً طهوراً واستجاب لداعي البياض بداخله ,, ثم اندهش من خبث مدعي الطهر وملاك النقاء ..

انطوى داخلي على الألم طويلاً بسببهم .. نزفت جروحي منهم .. كنت أدخل ..
لأقرأ توقيعاً لإحداهن : ( كلما اقتربت من البشر , ازددت حبا للكلاب ) فيثير لدي الاشمئزاز من هذا التوقيع وأهمس لنفسي : لعلها صعبة المزاج أو غضوباً امتلأت غيظاً من الناس , ومازالت بي الأيام وإذا بي أسمع من نفسي همساً من داخلي وأنا أسير وحيداً مسامراً لذاتي سمعتها تقول : ازددت حبا للكلاب .. ازددت بعداً عن البشر ..

غمامة بيضاء تسد الأفق بداخل عيني حيناً .. وحيناً ماض مؤلم يغرز في الوجع .. وجراح تتلو صلوات الرحيل على مسمعي ..


يارب رحماك .. وهج يشعل في عيني بريق , يلمع كلما تنسمت نسيم العطر , ثم لا يلبث أن يخبو ويموت ..
أيها الكون أعترف لك: أني فشلت في التصالح مع ذاتي , وضاعت مني نفسي في ركام الوجع ..
قال لي : تذوق جمال الحياة , لتشرب كوباً من القهوة مع *نسمات الصبح الناعمة .. دع رذاذ المطر يداعب وجهك , تفاءل وابتسم واضحك واطلق العنان لنفسك وقل الشعر وغن للفجر وداعب الضياء . فعجزت وعثرت وتبعثرت .. ومازلت أحاول !

جرة قلم
15-May-2010, 03:00 PM
الغياب موت ..


أيها الغياب .. تحنن قليلاً ولا تعربد فينا فتؤذينا ..
إياك والاستبداد .. فلربما جاءتك الثورة من دواخلنا لتنهي عهد الاستعمار .
أيها الغياب .. غب عن أرواحنا .. وغيب مفرداتك من حياتنا ..
غب مع الهلال .. وغادر مع الزوال , وترحل مع السنة المحنطة وتحنط معها ..
غيّبنا نحن .. ولكن .. لا تغيّب معك من حضورهم لنا حياة ..

أيها الغياب .. كف عن العبث بهدوئنا , كف عن الرعب تثيره فينا ..
كفاك استيطاناً لردهات قلوبنا ..


أيها الغياب .. ماذا فعلت بمن سافرت بهم من بيننا وأبحرت بهم نحو الأغوار والمدى ..
وماذا فعلت بنا من بعدهم ..
أرهبك كثيراً .. أخافك كثيراً ..
أضعف أمامك كثيراً .. أنكسر بسببك كثيراً ..

أيها الغياب .. دعني ألتقط أنفاسي وأفتش عن السكون للحظات من عمري ..

وإلا .. سأشكوك لمن يقدر علي وعليك ..


رحماك يا الله .. أنت من يعلم .


..

وبس

جرة قلم
15-May-2010, 03:56 PM
تصور .. أن للصدر أزارير كما لثوبك أو لقميصك .. كلما ضاق بك المدى فتحت هذه الأزارير لتنفس قليلاً عن هذا الصدر الموار بالضيق .. كما تفعل عندما تتأفف من موقف ما ثم تفتح أزارير الثوب ..



في ليلة ذات ألم .. مسكت القلم وأردت أن أحول الدنيا إلى معادلة رياضية بلهاء وأن أبسط نظرية الهم والضيق , وأبتكر حقيقة علمية أحوز بها براءة اختراع .. فقلت :

الدنيا سريعة الانقضاء .. ( مقدمة أولى ) ,

الغم والضيق ملازمان للدنيا ولأهلها , ولم ينج من ذلك ملك ولا وزير ( مقدمة ثانية )

لم أستفد شيئاً من مبالاتي فيما ماضي الأيام ولا حملي للهموم وزالت الهموم وزالت معها المواقف ( مقدمة ثالثة )

الاهتمام والضيق في سالف الأيام عكر علي أيامي وأحرق لي ساعاتي فرحي وسمحت له بأن يتوسع ويحرق أكثر مما يستحق ( مقدمة رابعة )


القضاء مبرم والقلم جف والصحف طويت ولا مفر من القدر ولا دواء سوى الصبر (مقدمة خامسة )

الرب رحيم , والذي يمضي القدر ويكتب الهم والضيق عليك , ودود روؤف أرحم بك من أمك (مقدمة سادسة ) ..



النتـــــــــــــــــــــــيجة :



لا تهتم , ولا تبالي , ولا تضيق , ولا تسمح للحزن أن يمر ولو من أمامك .. ولا تفكر في شئ وعش حياتك وكأنها مسرحية ساخرة من أيام وفصول من كتاب كله فلسفة ..




قهقة الهم عالياً ودوت ضحكاته جنبات صدري وقال معربداً : وماذا ستفعل بذاك الأمر هل ستنساه , وذاك القبر أن لن تمر عليه ليلة العــيد لتطرق باكياً , وتلك المريضة , وهاتيك الهموم هل ستنساها .. وبدأ يعدد لي ويفتش بصفحات صدري حتى مزقت أوراقي , وهدمت معادلاتي , ورجعت منهزماً منكسراً لذلك المعربد المتسلط ..




أما والله إن الغصة بالحلق تحبس الأنفاس وتخنق الأزارير أكثر فأكثر .. وحبس الدمعات يهو الذي يعقب هذه الغصة , وبكاء الرجال عيب في دنيا المكابرة والفحولة ..




في مجلس بهيج ضمنا بأصدقاء في ليلة قمراء قال أحدهم : جاءتنا حالة غريبة في المستشفى .. أمرأة أغمي عليها بعد ولادتها .. تعبت شيئاً فشيئاً حتى دخلت في الإغماء ..

الغريب هو تصرف زوجها .. كان ملازماً لسريرها لا يتركها ولا يغادرها وهي في العناية المركزة .. لا يتمكن من الدخول عليها كل وقت ومع هذا بقي أسبوعين ملازماً لباب العناية المركزة ينظر من وراء الزجاج .. كل المستشفى سمع بقصة هذا الزوج القادم من العصور الحجرية حاملاً معه مادة خطيرة وجينا في كروموسوماته اسمه الوفاء .. هرع كل الأطباء في القسم المختص وغير القسم يتواصون برؤية هذا الكائن البشري الغريب ..

قال : أنا أقترحت عليه يأتي بالطفل الوليد ويقربه منها .. قال ضمته إليها وهي في إغمائها .. وسالت دمعات الزوج الغريب .. ثم بدأت حالتها تتحسن . حتى شوفيت وتعافت وخرجت ..

أتكأت وشربت شفطة من محبوبتي الشقراء , ونفس عني هذا الموقف قليلاً .. وهمست في نفسي : تباً لنا .. ولكل مهرج بليد كــ أنا .. ولم أعلق بشئ مع شهيتي للحديث .. لأن الموقف غني عن ترهات المهرجين ..



قبل أيام جاءتني شهوة للكتابة .. وشعرت بحالة المخاض وبدء الولادة .. وبدأت معي آلام وأوجاع الطلق لولادة المقال المتعسر ة وكان العنوان الذي كتبته له :

ياصاحبي تعال نتقهوى .. نعطي وجه الدنيا وكف .. جاءتني نشوة وتسللت لصدري من ثقب الأزارير هواء وتنسمت نسيم الفرح وحاولت التظاهر بالمرح ومسكت القلم وعنونت ..


ثم ..



وقفت ..



وقلت : أنت كذاب كبير .. وقلمك غبي كــ أنت .. من هو الصاحب الذي تدعوه ليتقهوى ؟ هل فيهم من يستحق وقد تخلوا عنك .. ؟ وهل ستعطي وجه الدنيا كف ؟ أتتمكن ؟

فشلت في المغامرة .. وانكسر بي القارب .. ومزقت الورق .. كنت بحاجة لكمية من الصدق أغتسل بها .. تلفتت يميناً وشمالاً .. تذكرت أوجاعي واستدعيت الضيق .. وأخذت كفاً على وجهي من الدنيا .

جرة قلم
15-May-2010, 03:57 PM
الحلم نعمة ..

مالحلم .. ؟ :
ماء بارد ترتوي منه روحك ويبل صداها .. ظل ظليل يرطب جفاف نفسك ويداوي جروحها .. رشة عطر أخاذ , ووشوشة بلبل ساحرة , ورذاذ مطر ينال من وجهك , ولذة غرام فاتنة تصيب روحك فتبعثها حية مشرقة من جديد .. !

شفاف كنسمة ساحرة يداعب روحك فيرقصها ويطربها , ناعم كالحرير لا يخدش منك شيئاً .. ترتعش منه أطرافك , وتنتشي به جوارحك ..ويتخدر به فؤادك . !
..
الحلم :
ترنو إليه ببصرك فيجئ مسرعاً ليأخذك نحو الشطآن , يبحر بك في جزر خضراء تلامس المدى بأطراف أصابعك .. يحلق بك بعيداً عنهم , تجلس فوق الغيمات , وتناجي النجمات , وتغزل القصيد للسوسن والنسرين ولو لم تكن شاعراً , تهب عليك النسمات لتداعب خصلات من أمنياتك فتوقظها من سباتها , وتحركها وتنعشها , وتخرج الأهازيج منك والأغنيات , وتنتشي روحك وتطرب حد الثمالة ..
..
ترنو إليه تأوي إليه في كل مساء , فترسم الحياة التي تريدها , تجئ بمن تهوى , وتحكي لمن تحب , تقول كل ماتريد , بلا خوف أو وجل , تضحك بملء فيك , وتحلق مع النوارس , وترتوي من الضياء , وتشرب من أنفاس الزهر
يصاحبك في فراشك , ويرسم على وجهك لحظات من هناء , يزورك الحبيب , ويسامرك , ينادمك , تشكوه وتشكو إليه ..دواء ناجع للحنين .. وبلسم شاف للشوق ..
الحلم نعمة ..
وربما رافقك طوال يومك .. في ساعات لغبك وتعبك وأوقات وجعك أو صخبك تهب عليك نسمة من حلم أو رشة عطر من أمنية فتمسح عنك كل العناء وكل الصخب وكل اللغب ..
لولا الحلم لأصيب أكثر سكان الأرض بالسكتة القلبية .. لأن الحلم النافذة التي تتنفس أرواحهم بها والشباك الذي يصلهم الضياء منه , ويمدهم بكثير من الأمل , ويفتح المدى الفسيح أمام نواظرهم لتحلق هذه الأرواح بعيداً عن قفص الحياة ..
..
رجل مقهور , فقير حسير , عصته الأيام وطاوعته الأحلام .. يركن إليها .. يغمض عينيه.. يسرق لحظات مليئة بالهناء , يصنعها بنفسه . ! يعاني بالشقاء ويمضغ العناء , يكدح ويشعر بالرهق يصيب العمق منه .. فيحلم بيوم قادم أحلى , ومساء دافئ أروع .. فتخف الروح من أثقالها , وتهفو نحو القادم , متخلصة من حطام الحقيقة وأغلالها ..
..
أنثى محطمة تهشم بياض الورد في يديها , تقاس الألم والعناء , وتعاني الوجد والشقاء , رتابة في حياتها , وانتظار يحيلها عدماً , تصبر حتى تتخشب منها الأمنيات ,( لو ) لاح لها بريق من حلم لعاد البياض إلى وردها .. وتلون الأفق مجدداً لديها وجاءت راقصة بالوردي وألوان التفاح ترسمها على خد الأصيل , وتكتب بها شعراً يميس عذوبة ويسيل سحراً ..
..
بالحلم ترجع طفلاً تمارس طفولتك وطقوسك, وتلعب تحت المطر بلا ملامة,, تسافر حيثما تشاء , وترافق من تشاء , وتعيد الموتى من أهلك , بالحلم تصنع صباحاً عاطر الأنفاس, وتحضر تؤأم روحك أمامك , ثم تقرأ عليه قصائدك وتطرق بين يديه شوقاً وحباً .. بالحلم تميت الشر في نفسك وفي الآخرين .. تمحو الخطايا منك, وتمسح الذنب , بالحلم تغفو على ذراع أمك من جديد , وتشم ريحها وعطرها الذي عجزت مصانع باريس أن تجئ إليك بمثله .. بالحلم تصنع ماعجرت عن صنعه في وعيك .. فلا تبخل على نفسك ..

الحلم نعمة ..

أرجوك احلم .. ثم احلم .. ثم احلم .. ومارس أحلامك , وعش مع أمنياتك , وجسد آمالك , والمس وتحسس البهجة والأنس بيديك , مرر خدك على أطرافها , وضع يديهما على وجهك , ولا تسمح بشئ يوقف أحلامك , وتدفأ بها من صقيع الحياة , ولا تقل : الأحلام رؤوس أموال المفاليس .. بل امتلك حلماً , وحز ساعة من نشوة , ولا تخسر الواقع والحلم ..

وإياك إياك أن تطمع بالمزيد أوتطمح لتحقيق هذه الأحلام , لأنك إن أردت ذاك .. فما عليك سوى أن تفتح عينيك , وتخرج من حلمك , وتشرق بواقعك المر, وتلفح روحك هجير الحياة ..


إنها ليست دعوة للنوم العميق , والحلم البارد البايت , بقدر ماهي لفتة لـ لحظات تغمض فيها عينيك وتحلم بما تشاء وتغذي بها ما يجف بداخلك , وتبصر بعينك آمالك وقد نلتها , وأحلامك وقد حزتها .. فهـ هنا قرص مقوي وفيتامين روحي يسعفك بالحركة نحو الأمام .

حكماء النفس وعلمائها يقولون الحلم حالة صحية , ومن لا يحلم فليس ببشر .. ! ومن ليس لديه سويعات من حلم يغذي بها روحه فهو بعيد عن السواء النفسي !! ويعزون الإبداع والموهبة إلى ممارسة الروح حقها وتشبعها من الحلم وارتواءها من نداه ووتنفسها بعطره ..

وكل حلم .. وأنتم بخير ..




وبس .

جرة قلم
15-May-2010, 04:01 PM
لقيني ليلة بمعرض الكتاب بمدينة الرياض ..
سلمنا على بعضنا بحرارة ..
أهداني نسخة من كتابه ..
دعاني لمنزله .. واعدته بالمهاتفه والتواصل وفعلت ..
أصر علي أن يجئ إلي ليأخذني بنفسه .. حاولت التملص وفشلت كــ عادتي ..

جاءني بسيارة والله لا أعرف ماهي ولا نوعها ,, المهم أنها ليست كامري ولا كوريلا ..
كان يظن أني سأكون بالماريوت أو المريديان ..
قرأت في وجهه الصدمة من الشقق الفندقية ( الفاخرة ) التي سكنت بها وخيبتي في نظره ..

وصلت لقصره الفخم ومنزله المنيف ..
رأيت بيتاً لا أراه إلا في التلفزيون ..
لأكثر من ساعتين جلسنا بمجلس برجوازي ومخملي ..أتحدى أحد منكم جلس على نفس الكنب الذي تشرفت بالجلوس معه !! وليس عليه ..

حدثني طويلاً عن نجاحاته ..
عن ثروته .. عن منجزاته .. عن ثناء الأعيان عليه .. عن لقائه بالأسماء التي تربك عينيك , وتبلع ريقك عند سماعها ..
عن رسالة الدكتوراة من جامعة الملك سعود .. وما أحدثت من صخب ..
عن مؤلفاته .. عن سفره .. عن دعوات الكبار له ..

أصابتني التخمة من الكلمات التي دخلت أذني وتترست في دماغي لها دوي مزعج ..
تعبت من الابتسامة اليابسة على وجهي ..


شعرت بالأسى من نفسي ولنفسي وعلى نفسي أم ريالين ..
خشيت أن يكون حسداً رابضا بقلبي .. نفثت داخل صدري على شيطاني ..

تمنيت لو ما قبلت الدعوة ..


كان يتحدث عن تميزه وعن رسائل الإطراء والإشادة التي تصله من هنا وهناك .. تذكرت رسائل جوالي وقائمة جوالي وشح الثناء الذي أسمعه إلا من أمي .. ومن الرسائل التي أرسلها ولا مجيب لي عليها فأنكسر شئ ما بداخلي ..


وهو يحدثني .. ذهني كان يتحرك كــ قوقل بحثاً عن ( نك نيم ) لي جديد في المنتدى الذي سجلت فيه : مجنون ؟ لا .. يمكن يظن المغفلين أني حقا مجنون , فاشل جداً , لا .. سقوط في فخ المصطلح .. شبح أبيض ؟ ربما جيد ؟ تكريساً وإمعاناً في الانتقام من نفسي الآبقة مني ..

شعرت بتراجع مخيف لشعبيتي في داخل جمهوريتي ..وهبوط حاد لأسهمي في بورصة الرضا المنعدم لدى نفسي .. من الفارق الشاسع بين صحرائي وجنته ..

لم أستطع أن أكون ثروة كصديقي ولم أؤلف كتاباً وعلاقاتي ليست عابرة للقارات , ولست مشهوراً .. وانكسر خاطر بداخلي وتهشم شئ ما بصدري ..



حاولت أن أسلي نفسي ببعض الأفكار الماجنة
قلت لنفسي : كوكب الأرض بلا قيمة .. يحكمه سحاقيتان جميلتان : كونداليزارايس وليفني ..
كانا يجتمعان على طاولة واحدة في جنيف , ليحكمان في الشرق الأوسط ببلدانه وشعوبه وسكانه وناسه ومدنه وعواصمه .. ويلعبان بأقدام بعضهما تحت الطاولة بشقاء وكيد ومهارة في حركات كلها خفة وأمور مشفرة ..
فوق الطاولة : نحن وقضايانا والقرارات الحاسمة لمصائر شعوب تعداها أصفار تسعة وبجانبها يقف الواحد شامخا يصلح بنطاله .. وأما تحت الطاولة فـــ فوضى لا خلاقة .. وخرائط لكل الطرق إلا الطريق المؤدي إلى صنعاء ..

أفقت من الضجيج المتردد وسط صدري .. وثرثرة أفكاري الماجنة وضحكات كونداليزارايس وليفني وهما يتشاقيان .. وصاحبي يقول : أنتظرك بعد غد .. لم أشبع منك .. لدي الكثير لأقوله لك .. يعني : انزل نزلت روحك وصلنا المعرض لتنقلع عني لم تصفق لي ولا مرة واحدة ..


رجعت للمعرض مرة أخرى إذا .. نزلت من السيارة الفارهة وريشي منتفش , أفاخر الناس بنظراتي وأدرب نفسي على مهارة وفن الانتفاش ..


لقيني في إحدى مكتبات المعرض أحد الطلاب الأذكياء المهملين الذين درستهم يوما ما ..


تخرج وتعين بمدينة الرياض ..
عانقني بحرارة واحتفى بي كثيراً ..
غطت ملامح الفرح وجهه .. وخطوط السعادة ارتسمت بادية على محياه ..


و .. سأعترف بشئ مؤسف ..

لمحته البارحه بالمعرض .. وأرخيت رأسي تفادياً لملاقاته لئلا يراني ..
حتى لا أحرجه .. ولأجنب نفسي صدمة اللاوفاء بزمن اللارجولة ..

أبدىسروره الغامر بلقاء سعادتي .. دعاني للعشاء في منزله وأصر على الدعوة الكريمة لمعالي المزعوم أنـــا ..
تلفتت يميناً وشمالاً منتشياً ..ومتمنيا أحد يسمع هذا الاحتفاء أويشاركني سماع هذا الإطراء ..

هل أصبحت طفلاً بين يدي ذاك الطالب الشقي ؟ ربما ..



للأسف لم يكن غيري وغيره بالمكان والفتى السوداني بائع المكتبة ..
ولم يشعر أحد أنني شئ مهم ونافع لقارة آسيا ..


قال عني: أني وآخر من الزملاء كنا ملاذاً للطلاب الغرباء وموئلاً لأصحاب الظروف ( الملعوزة )وواسطة للمتعثرين والمسحوقين تحت وطأة السهر والظروف العائلية..

جدد المدح والثناء وكرر التعبير عي المشاعر الجميلة التي غمرته حال رؤية معالي الأخ أنا ..
حاولت أن يواصل حديثه ويمطط في ثنائه علّ أحداً يجئ ويسمع أنني شئ جيد ومفيد ..
وأثنى على ذكراي بخلده وقرأت الصدق في عينيه ..

غثيتكم مثل ماغثني صاحبي ذو القصر المنيف ؟ أتمنى .. !



على كل حال :

رد لي صاحبي الثاني روحي ..
وشعرت أني لست بتافه .. كلا وحاشا .. وعلمت أن أسهمي فوق أسمهم المكيرش بقليل ودون بيشة بقليل أيضاً ..
أصبحت أمشي بأروقة المعرض نافشاً ريشي كـــ ديك رومي أو كــ طاووس فارسي .. أردد ماقاله صاحبي الثاني قبل قليل عني ..

خرجت سريعاً من المعرض .. كنت أشعر باختناق وضيق .. هل أدمنت الضجر والمزاج النافر أم أدمنناني ؟ لا أدري
ذهبت للفندق ( الفاره ) .. ونمت .. وأنا أردد : عندك رواية ( تحت الطاولة ) ياعم ؟



وبسسسسسس ..

جرة قلم
18-May-2010, 11:33 PM
في دولة بعيدة .. وفي أرض قصية .. هناك غرب الأرض نزولاً نحو الأسفل ..
وجدت نفسي أنزل في مطار عاصمة يعج بالعابرين ..
أقلب النظر في وجوه الناس , وأكرر النظر مقلباً لصفحاتها , فأجدها وجوها لــ غرباء ..
وأجدني أجرجر أقدامي ببلاهة , وأسائل نفسي ببرود : متى أنهي شغلي وأعود .. ؟

أصطدت حقيبتي التي تدل طريقها نحوي بنفسها .. ولملمت نفسي المبعثرة في أرض المطار ,
وفتشت عن تركيزي المتناثر أشلاءً هنا وهناك ..
وأمرت الجميع بأن يتبعوني : (عقلي ونفسي وعيناي وتركيزي وهمي وضيقي وغبائي ومشاعري وأشغالي وأمنياتي وطموحي وأفكاري وقلمي وكتبي وحقيبتي وعيوبي ) ..

فأستجاب الكل واستعصى القلب ..



المطر يدق شباك السيارة وهي تغوص في طريق تحفه المساحات الخضراء ..
وهاتفي الجوال بيدي , أقلبه , أنظر إليه , أعالجه بآهات دفينة ..
أفكر في اختصار سفرتي إلى أقل من أسبوع ..

أسأل نفسي سؤالاً لا أعرف له إجابه ..
أجري حواراً مع النبض المتردد بين جنبات صدري ..
لكنه حوار بيزنطي عقيم .. أحدنا لا يفهم الآخر ,
أو حوار الطرشان كلانا لا يسمع من الآخر شيئاً ..


كنت أقول لنفسي : أنت ترافقيني حتى هنا ؟ .. عرفت سبب الضيق إذاً .. ليتني أقدر على الفكاك منك , إذا لتركك داخل سيارتي في مواقف المطار ..
.

وتخاصمني بضراوة وترد علي قائلة :
قدري أعيش وسط ذات مجنونة ..
وأكون حبيسة في هذه الذات التي لا أقتنع بها .. !

فأعرض بوجهي عنها للجانب الأيمن من شباك السيارة ..
وتشيح بوجهها عني إلى الجهة الأخرى بتأفف بالغ ..


نصل للفندق المراد .. نجتمع ونتفق على التعقل : ( بلاش فضايح ليقولوا : مجنون )
فــ نعقد صفقة لتصالح هش مؤقت , ثم نتحد ونصبح مجموعة أعداء في جسد واحد ..



دخلت ردهة الفندق .. وخطوت خطوات كليلة نحو موظفة الإستقبال ,
طلبت غرفة أكمل فيها خصامي مع النفس المجنونة التي تسكنني ,
وتمنيت على تلك الموظفة أن تكون غرفتي بأعلى ما يمكن أن تكون ..
لأتمكن من تعاطي كمية أكبر من الهواء , وأقترف النظر للأشياء من علو ولو مرة واحدة .


ولمحت عن يميني رجل يلبس لباس بني قومي وقد إبيض منه كل شئ حتى الحواجب ,
يجلس على على كنبة هناك .. يقلب النظر يمنة ويسرة ..


تقدمت إليه حاملاً معي نخوة الصحراء وفزعة العرب العاربة ..
سلمت عليه .. قبلت رأسه .. نظرت في عينيه ..
وإذا هو رجل ستيني أو سبعيني تقريباً ..
وسألته :

ياعم أخدمك بشئ ؟
أخبرني : أنه نسى كرت الغرفة ( المفتاح ) بداخلها ويرطنون عليه , وهو ينتظر سائق التاكسي الذي تعاقد معه ليخدمه كلما احتاج إليه وليتفاهم معهم .


شمرت عن مهارتي وتذكرت قصايد النخوة ومن مات بسبب الفزعة ..
ولبست ثياب النشامى من العربان ..
والغريب أنني نجحت .. وجئت إليه حاملاً الحل بيدي ..


قال لي : كم رقم غرفتك ؟ فأخبرته .. وافترقنا بأمل اللقاء ..


وصلت لغرفتي ..
نظرت لنفسي نظرة إزدراء .. واقترحت عليها أن تسكن بالفندق المقابل ..
تمددت على فراشي أنفض عني عناء السفر وغباره ..
وإذا بالهاتف يرن ..



فتعجبت من هذا الفندق المزعج الذي يعالحني بضربة استباقية من صواريخ ضجيج سريعة المدى ..
وكأنه عرف أن نقطة ضغفي هو السقوط صريعاً أمام الأفواج والإزعاج والضجيج والاكتظاظ ..

رفعت سماعة الهاتف , فإذا بصوت فيه بحة محببة ..
يناديني باسمي ويسألني من غير دساتير ولا أبواب ولا حجاب : وش ناوي تسوي الحين ؟





أجبته بنخوة العرب العاربة : آمر ياعم , ولدكو يلبيك , وش ودك فيه ؟
قال : نطلع نتغدى ونسولف شوي ..


قلت بصوت متردد في جنبات صدري وله دوي : ياويلاه , أنا متعب ومرهق ..
وبصوت خافت : أبشر , ألبس وأنزل لك ياعم بس دقايق .

خرجنا من الفندق وأخذنا طريقاً ممتداً أمامنا .. والمطر يعزف أروع النغم على ذاك المكان .
قال : هنا مطعم عراقي , وهناك مطعم شامي , وخلف هذا الشارع مطعم هندي ,
وبدا لي من كلامه أنه مطيل المكوث هنا .. أو قد فعل .

فقال : لا , جئت ( أبشري ) _ بلهجة دارجة _ للولد بيت , لأنه طالب مبتعث و( أبشري ) له بيت بدل الأجار ؟
ودار برأسي في جوف دماغ خاوي سباق محموم لأسئلة دبت فيها الحياة , الكل منها يريد أن يرى النور أولاً :

أنت من وين ياعم ؟ قال : من الرياض ..
والولد وش يدرس ياعم ؟ قال : إدارة أعمال .
قلت : بكالوريوس أو ماجستير ؟ قال : جامعة ففهمت أن هذا الولد يدرس بكالوريوس ..
وتشري له بيت ليه : قال : زرته وما أعجبني المكان اللي يسكن فيه , وقلت ( أبشري ) له مكان يوسع صدره فيه .



تناولنا الغداء , وتجرأت على ممازحته ,
ونجحت في انتزاع البسمات أولا منه, ثم الضحكات ,
وأخيراً حزت القهقهات ترسم لوحة الرتياح ,
وتلون ملامح التشبب على ذاك الوجه المهيب ..



وتذكرت أبي , وبلعت غصتي ,,
وتوارت في وجهي غيمة من ذكريات موجعه .


رجعنا للفندق .. وتواعدنا أن نفطر سويا على التاسعة صباحا ..
وافترقنا ..

جرة قلم
22-May-2010, 09:33 AM
وفي الصباح التقينا ..

استرسل في حديثه , واكتفيت أنا بالتهام النظر لوجهه المهيب , والإصغاء لكلامه المتناثر كحبات المطر منه , والمتسلسل بهدوء المسنين وحكمتهم . والتلذذ بحديثه .


بدا مندفعاً في بيان تأريخ بلادنا الحديث ..
وانكشف لي عن ثوب مثقف في جلباب قديم .


شيئاً فشيئاً فإذا بي أعرف أنني أمام وجيه من وجهاء الناس في بلادي تمتد علاقاته نحو أسماء أسمعها بالتلفزيون , وثري من أثرياء الرياض .



أرخ لي حوادث كثيرة كنت أجهلها , وأبان لي عن كثير من القضايا التي كنت أتمنى معرفتها ..



صاحبنا نصف العليا بالرياض له , وفي كل مدينة في بلادي له فيها مخططات ..


سألته : وش ناوي تشري للولد وفين ؟
فأجاب : بيت صغير وبلهجته ( بويت صغير ) وهالبويت الصغير طلعت قيمته ثلاثمائة ألف دولار .. يسكن فيه هالولد المجتهد ونجي بالصيف مع العيال ونصيف بووه .

قلت لنفسي : أجل لو ماكان بويت صغير كم بتكون قيمته ؟



كان بجوارنا رجل كويتي يسترق السمع لحديثنا ولم أشعر به , وفجأة يشاركنا الحديث بصوت مرتفع : ( لا لا ما أوافقك , أظن الرؤية غير مكتملة لديك ياسيدي )
قالها برنة فيها عصبية ووطنية وبحث عن مجلس يأنس به , خصوصاً أن حديثي مع صاحبي وصل للديمقراطية والحريات وحقوق الانسان وعلاقتها بالمنطقة ووصلنا لتطبيق الديمقراطية بالكويت ومشاكل مجلس الأمة وكنت أنقد التجربة الكويتية وهو يدافع عنها ..



دعوته لمشاركتنا الجلوس والحديث والشاي : فجاء وجلس بأريحية ,وبدأ يتحدث عن الكويت وفاعلية العملية الديمقراطية فيها وتحدث عن مسيرة المجتمع نحو النضج والخروج من الوصايه ليرعى نفسه بنفسه ..


سألته : والموات الذي يصيب البلد جراء حل الحاكم لمجلس الأمة , والشلل المتكرر الذي يضرب العصب بالكويت عندما يتشنج مجلس الأمة ويتعاكس مع الحكومة ؟ برأيك الديمقراطية أتراها هي الفوضى والحفلات غير الشهية من الشتائم والوجبات الدسمة من التصنيف والاصطفاف الحزبي وتكريس الشرذمة بين فئات الشعب والهرج والمرج الذي يفتت البلد ويقسم الناس ..

وبدأت أجيش براهيني عن طفولة الديمقراطية بالكويت التي لن تكبر .



شعرنا ثلاثتنا بانسجام سريع , وانضم إلينا هذا الكويتي الرائع وأصبح (قروب ) جميل أضفى علي كثيراً من البهجة والهناء .

في الصباح كل يمضي لأعماله , وفي المساء نلتقي للتسكع والصعلكة المليئة بالحوار والنقاش والضحك وأقاصيص الزمان , ولكني كنت فيها الحلقة الأضعف ..

أبو حمد وش جابك هنا ؟
قال : كنت وعدت حمد أجيبه يتمشى ويرفه عن نفسه من عناء الدراسة وأنا هنا فقط لأجله ..
وينه حمد ؟ سألته
قال : هاللي يسبح .. نظرت في المسبح , فإذا فتىً في العاشرة من عمره ..
فمازحت الفتى وهددته بالنزول إليه وإغراقه في الماء .. فضحك وضحكنا ..



وتوادعنا بأمل اللقاء غداً ..



مو بسسس ..

جرة قلم
24-May-2010, 07:20 PM
مشتاق لك :


شوق الشتاء ..


لا قالت ازهارة متى ؟


مثل القمر .. لامن تغنى بالسهر زان الحكي !

مشتاق لك شوق العمي ,,

لاصار يحلم بالنظر ..

شوق الضمي , لامن غدى يرجي مطر ..

شوق الوتر , لامن عزف كلك نظر !



فصل الشتا كان اللقاء ..

والليل واحساسي اصدقاء ,,

محد بقى في دنيتي محد بقى ..

غيرك وطيرك على غصني رقا ,,

شفتك وانا واقف على حافة شقى ..



مشتاق لك :

واسالك يمكن تعود ..

ويصير معنى للوجود ..

صارت احلامي ورود ..




مشتاق لك :

غيم وجبل , مزن ورمل .

مشتاق لك :

لعب وطفل , خوف وعذاب , شوق وامل !



مشتاق لك :


شوقي ملا كل لدروب ..

مثل الصحاري والهبوب ..

مثل الشموع لامرت انفاسك تذوب ..


مشتاق لك :

والقلب لك ساحة مطار


قلبي وأنا , على رصيف الانتظار

مشتاق لك :

طفل رمى لعبة ورى ذاك الجدار !!

محتاج لك طالب نسى احلى قلم ..

في وسط قاعة الاختبار ,,

عصفور واقفاصة ذهب ماحبها لحظة وطار ..


ماقد سمعتي في بشر اسمه , وطن , اسمه سفر ..


مشتاق لك :

وللشوق اطول سالفة .. !

فيني حروفي واقفة ..

من اول احساس الحكي واخر مداها خايفة ..

يارحلة اسراب الحنين مابين رمشي والجبين ..


عندي سؤل وكلمتين ..

اموت واحيا في خيال

ابي اجابة هاالسؤال :





أنا الألم وإلا الدواء .. ؟

جرة قلم
24-May-2010, 07:30 PM
لا أَنام لأحلم بك , قالت لَه ..

بل أَنام لأنساكَ , ما أطيب النوم وحدي ..

بلا صَخَب في الحرير، اَبتعدْ لأراكَ

وحيدا هناك، تفكٌِر بي حين أَنساكَ ..

لا شيء يوجعني في غيابكَ ,,

لا الليل يخمش قلبي ولاشفتاكَ ..

أنام علي وجعي كاملاً كاملاً ..

لا شريك له ..

لا يداك تشقَّان ثوبي، ولا قدماكَ ..

تَدقَّان قلبي كبنْدقَة عندما تغلق الباب ..

لاشيء ينقصني في غيابك:










لتؤنس منفاكَ ، واَرفع رؤاك ..

كَنَخْب أخير ,, وقل إن أَردت: هَواكِ هلاك .

وأَمَّا أَنا، فسأصْغي إلي وجعي ..

بهدوء الطبيبة : لاشئ ، لاشئ

يوجِعني في الغياب سوي :


سوى :


عزْلَةِ

الكون


محمود درويش ..

جرة قلم
24-May-2010, 07:51 PM
عيناها لا يموت فيهما الكحل ..


أضعف ما يكون الرجل , عندما تتلاقى العينان , وتتماس النظرتان , فــ تنكسر عين وتهيمن أخرى .
والعين الكحيلة النجلاء تضعفك وتهد قواك وتربك كل شئ فيك .. أليس القوة الناعمة أطغى من كل شئ ؟


عندما ترى عيناً نجلاء حوراء داعجاً .. تميت روحك قبل ميعاد موتك , وتموت وأنت تسوق نفسك بإرادتك باسماً هانئاً نحو المقصلة من غير قضاء ولا محاكمة , يميتك جلادك وقد سلبك الإرادة , وهو يقهقه عالياً بعربدة وتلذذ , ويراك تتهاوي صريعاً بين يديه , حتى القتلة لا يعرف الاحسان فيها , يجرحك أولاً بنظرة خاطفة , ثم يتوضأ بدمك , ويشرب النخب منه , يذيقك طعم الموت البطئ بنظراته المسكرة , فـيغرقك في بحرهذين العينين الهادئ في سطحه والعميق في غوره , ويتوشح الماء متلوناً بالأحمر القاني , تتبعثر قطرات دمك , وينشر الخدر في أجزائك , ويرحل الموت مبحراً في أوصالك .. يضحك جلادك وهو يسمع صراخك واستغاثتك , يتفكه متلاعباً بمضغة قلبك , ثم تخبو نفسك شيئاً فشيئاً وتسكن ,, لأنك دخلت في ارتعاشة الموت الأخير , وعندها يصلي عليك صلاة الجنائز قبل موتك .. لــيحكم عليك بالفناء , وترقد غائباً عن كل شئ سوى تلك العينين النجلاوين ..

عندما ترى عيناً ساحرة حالمة ناعسة , تشعل فيك بقايا الضياء , وتبعثر أكوام الأحلام , وتحرك الإشراق بصدرك , وتوقظ الساكن من الأمنيات فيك , لتتوق .. وتموت بهدوء قبل أن تصل , فلذ بالهرب عند ذاك , وانفث على قلبك تراتيل البقاء وترنم بتعاويذ النجاة , وتذكر أشغال الدنيا لتنجو ولا أظنك .

حاول أن تتشاغل بالسقف أو الجدران, بالسماء أو الغيم , بالمدى البعيد , بالذكريات الغائرة من ثقوب الذاكرة , المهم أن تنجو من سطوتها وجبروتها , وإن كانت هذه العين ستطاردك وتتسيد المشهد أمامك , تترجاها طلباً للصلح وتأبى عليك إلا الخضوع والانكسار أو الموت , تقرب القرابين وتعطي الهدايا والتحف حتى لا يستباح حماك , وتأبى العين النجلاء إلا أن تركز رايتها في عاصمة قلبك ووتجول بخيلها في ميدان العرش بعمق روحك . عينان قاتلتان مستبيحتان .. وقتلها بإحتراف وسادية .


عين لا ترحم , تتسلط على قلب ضعيف ينبض بالرحمة , وتتمكن من روح تواقة للمرافئ الهادئة والشواطئ الناعمة , روح لا تريد القيد وترهب القرب من جناب الأسر , عين ساحرة فيها طلسم لا يفكه شئ إلا أن يراك تهوي صريعاً أو تهرب سريعاً ..

عينان واسعتان ناصعتان بالبياض .. السواد فيها محل المحاكمة والقيد , لتذوب مهجتك فيــه , وتتحلل روحك في بياض العين وتتلاشى .. عينان مليئتان بالجمال القاسي والروعة القاتلة والسحر الأحمر الذي يجعل الزمان يقف بك هنا .. والأمكنة كلها تتراءى لك بياضاً ناصعاً ودائرة سواد واسعة وسط هذا البياض الأخاذ ..

خلق الرب الجمال في الأنثى والجاذبية , وجعل تسعة أعشاره في العين النجلاء , ومهما تمتمت من تعاويذ البقاء وهمهمت بصلوات النجاة مالك إلا أن تلوذ بالفرار من سلطة هذه العين الحوراء, وتركن نحو الهامش قليلاً , حتى لا تصبح حرفاً بارزاً في دفتر الفناء , أو سطراً مائلاً بـ كشكول العناء ..




عيناها لا يموت فيها الكحل .. يعشق البقاء معها وفيها , ينال أكسير الحياة وسيمياء السحر منذ أن ينزل بخمائل ذينك العينين الأخاذتين , ويتشح بوسام الهيمنة والملك في أفيائها البيضاء .. عيناها تحوي : بياض وسواد , وهدب ورمش , وسلاسل وقيود , وموت وذهول , وجنائن ومدائن , ورحلة وبحار , ورهبة وسطو , وخدر وفناء ..



ما أجمل العين الحالمتين التي تسلبك قيادتك لنفسك , وتلهيك عن كل شئ يحيط بك , وتسمو بك في معراج الروح حيث لا بدن ولا رغبات , إنما تتلاقى الأرواح وتهامس بصوت كله خفوت ..


عين ساحرة , تعرف أن فتكها ذريعاً , تتعمد أن تصيد منك نظرة وتصيب منك مرمى وهدفاً في سواد ذاك القلب الغبي , لتنتشي بالنصر والتمكن , وتشيح عنك لتجرعك طعم الخضوع , وتذيقك مرارة الحسرة , ثم تعيد النظر إليك لتهوي صريعاً في سجنها بعد تراشق بسهام اللحظ ونبل النظرات .. وإن كنت الجاني والمجني عليه , وستكون ميتاً راضياً بموته , ومتلذذاً بسهام قاتله ..


عينان كلهما خمائل , ومدىً أبيض كله بتلات تنبهر وأنت تتفيأ في أريجها , وهالة من ضياء تسلبك النظر , تبحر بك بسكون وهدوء تعرج بك إلى أعلي السماء , لتشف روحك هناك , وتشرب من الغيمات , وتشم أنفاس الزهر ات , وترتوي من الضياء , وتهاجر مع النوارس طالباً الجنائن والجزر البعيدة , ولكنك لن تحتمل فـتذبل شموع وعيك , وتهبط نحو الأرض لتركن للإطراق والصمت ,, منكسراً ولك رنة من حنين , وآهة من وجع ..





عيناها لا يموت فيها الكحل , لكن يصرع و يموت بهما الرجل .

جرة قلم
25-May-2010, 07:54 PM
وفي الصباح التقينا .. وألقينا على بعضنا التحايا الحية .. تعبق بالألق , والود الأبيض الناصع ..


طاولة مستديرة تجمعنا بجوار مسبح هادئ , والجو يقول للفرح : هيت لك ..

الأوجه باسمة ,والأصوات هادئة , ولا صوت يعلو فوق صوت الأطباق والملاعق .

بدأ صاحبي أو قل ( والدي) النجدي الحديث عن فرص الاستثمار في الخليج ومستقبل بعض الأفكار الاقتصادية الواعدة ..

وشاركه صاحبنا الكويتي بطرح أنيق عن إمكانية الثراء بهذا الزمن وفرصه أكثر من أزمنة ماضية ,
واتجه الحوار المتقطع نحو الخليج عموماً والوضع الاقتصادي الراهن وطرح متفائل وطرح آخر معاكس لهذا التفاؤل وبعثرة في الأفكار لم أستطع جماع شتاتها وقلبي معلق بالعسل والبيض والجبن والشاي وقطع الخبز المحماة وأوجه الغرباء الوالجين لمكاننا وعم تحمل في ثناياها من تعابير ..

عيناي تحملقان هنا وهناك مكتفياً بابتسامة ولدت من الروح !! أتذوقت طعم الابتسامة عندما تنبلج من روحك وتولد من رحم ذاتك لا من فمك فحسب ؟

ووزدت على البسمة بتحريك الرأس نحو الأسفل والأعلى برفق وهدوء وكأنني أعي جيداً ما يقال , ونال الوالد النجدي من جيلنا بلمز خفي ابتداءً وهمز غير خفي انتهاءً , ولم يحيّد الكويتي بل جذبه لصفه بحيلة ودهاء الشيبان قائلاً : أنت منا , جيل الرواد .. منت من هالجيل المطافيق بس أكل ونوم ( على حد تعبيره ) , مع بسمة ينثرها على وجوهنا , ووجه كلها دهاء وبهاء .. زاد الكويتي : وقزٍ بالشوارع وأذى لخلق الله ( على حد تعبيره كذلك ) ..


نظرت لنفسي وشعرت كأنني وجيلي المطارد والمحاصر من صعاليك السليك بن سلكة الغطفاني نطارد في صحراء يابسة , ثم من خلف القضبان ينظر لنا العالم ويحاكمنا من غير حضور لصوتنا .. جيل ولد في البطالة , وشرب نتاج الفشل الذريع لخطط التنيمة الموعودة , وأكل بقايا الشعارات البليدة البالية التي تريد حرق نصف اسرائيل ورمي النصف الآخر غير محروق ولا مشوي في البحر الأبيض المتوسط , أو وصول العرب لمصاف الدول الحديثة المتقدمة باللحاق بركب أوروبا وأخذ ماعندها بحلوه ومره , ونظريات النهضة التي جربت الحلاقة برأس هذا الجيل المسكين , تذكرت نظرية البعث وكم من بلاد عربية أهلكها البعث وتجاربه على ملايين البشر وجعلها ألعوبة في أيدي أطفال يقال لهم حكام , أو قل دمية بأيد شباب في ثلاثينيات العمر يمارسون القيادة العمياء واللعب بشعوب عربية عتيدة كالعراق ومصر وسوريا ,, وأقرأ تاريخ هذه البلدان في الستينيات والسبعينات ,, تذكرت القومية العربية وعنتريات الانقلابات العسكرية والويلات التي جرتها على دول وعوالم عربية , تذكرت الناصريين والمستقبل الذي جعل بعض الدهاة من الأذكياء والكتاب والمثقفين لم يصدقوا بموت عبدالناصر وقالوا : بل ذهب إلى ربه وسيعود ,, تذكرت ذاك الطبيب الاستشاري السعودي وكان ناصرياً , وقد لقيته بمطار دولة عربية , طال النقاش المحتدم بيني وبينه لعدم قناعتي بالمشروع الناصري وحماسه الشديد له حتى بعد تحلل رفات أبي خالد أعني جمال عبدالناصر ولعلي ( رفيق حرفي وصديق كلمتي قارئ الكريم ) أن أسوق لك حواري مع ذاك الطبيب الصادق بكل معنى للكلمة التائه ( في ظني) في بيداء الفكر والتيه , تذكرت النظريات العلمانية في ستينيات القرن وسبعيناته وهجوم تيار الحركة الاسلامية عليه وحصره في زوايا قديمة يعد أصابع يديه ثم انقلاب بعض رموز التيار الصحوي على بعض أفكاره وحضور التنوير ودعاة الاصلاح والمدنية , تذكرت حضور الليبرالية المعاصرة والوعود المعسولة لعالم متحضر تذكرت انقلابات المفكرين على نظرياتهم ونكوس المثقفين عن مبادئهم وقد لمع لهم بريق الدولار والثراء أو كراسي الوزارات والذهب يتقاطر من حولها , تذكرت العباءات المذهبة على أكتاف تحمل على كواهلها الطموح الجامح لمشروعات شخصية ومدعية غير ذاك , ومتذرعبة بالثقافة والفكر لذاك ..


تذكرت دهاء بعض جيلنا وقوة دماغه واستهلاك هذا الدهاء في العبث , وقلت لنفسي : دماغ بعض الصعاليك ودشير الشرق الأوسط لدينا , وذكاء بعض الصيع الجناتل والزكرتية الجياكر في الخليج والدول المجاورة الكثير يسوى الكثير لكنها ثقافة العصر الراقص والهاز لوسطه الذي يغلي من عرقوب محمد نور ويعلي من حنجرة شعبولا ويسفل من قيمة المثقف والمفكر ..

أخرجني من غفوتي صوت الكويتي وقال بدأ ينهال على دول الخليج ويصف تدهور الحالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وحالة أخرى أظنني نسيتها أو لابد أن أنساها ( ... ) واستثنى الحالة الرياضية التي لا تعيش إلا تقدما مزدهراً في كل جيل وزمان .. وعنف على هذه الدول وسماها بــ ( فقاعات ) ولكنها ليست من الصابون وإنما من شئ آخر وفي الحقيقة لم أفهم هذا الشئ الآخر واستدركت عليه سريعاً ومداعباً قائلاً له :

أهم شئ يا أبا حمد ما تقول عنا كراتين ..


ضحك وأفرط في ضحكه ورماني والدي النجدي بنظرته , فقلت له مستعجلاً قبل أن يصب علي شيئاً من حممه : أهل الكويت يا أبا صالح يسموننا السعوديين : ( بالكراتين ) ويعايروننا بأننا شعب كرتوني وعيارتنا عندهم : كراتين وفي آخر المطاف سكن الكويت وأهله وحكامه وتجاره ومثقفيه وأطفاله ونسائه وسط هذا الكرتون .. فقهقه الكويتي بأريحية وبدأ يهمس لحمد ولده بأشياء لا أعلمها ربما يشرح له ما ألمحت إليه ..


فرد الوالد النجدي علي بقوله : عاد لا تمن , هو جميل لهم علينا ورديناه لهم , وأنت وش عاد مسوي بتفتح لهم حدودك غصبن عليك نصف أهلنا بالشمال أنسباء لأهل الكويت ..


صمتنا لبرهة , ولا صوت يعلو فوق صوت الأطباق , وشريط الذكريات يمر أمام ناظري , وسفر لمكان بعيد يطير بي , ونظرات لمدى في عمق الروح , ومشاعر تختلج صدري وتخترق خاطري , تريد خطفي من هذا الجو الملئ بشذى الأنفس النقــية , والوجوه المفرحة .. وعدت من سفر الخواطر سالماً وعاد هدوئي لى قواعده محفوفاً بالطمأنينة ..





تشجعت وقد لمعت لي فكره خصوصاً أن صاحبي النجدي والكويتي من أهل الثراء : أنا شكلي أبمدح وأبجي بصف كارل ماركس وستالين ولينين اللي نصرونا ياطبقة البروليتاريا والطبقة الكادحة من عمال العالم عليكم يا طبقة البرجوازيين والاقطاعيين .. فهب النجدي بهجوم كاسح قائلاً : يعقبون والله هالسمرمد اللي رماهم التاريخ في مزبلته . على حد تعبيره , وأعتذر لك ( قارئ الكريم إن كنت من الحزب الشيوعي العربي ) ثمن كيف تمدح هالملاعين ماتخاف ربك ؟ واكتفى الكويتي برؤية هذا العراك السعودي السعودي ..


جاوبت الوالد النجدي بقولي : أنا طرحي كان فيه التفافاً على الكلمة وتهويماً في العبارة , قلت : أبمدح أي في المستتقبل .. والشئ في المستقبل يمكن يصير ويمكن لا .. ولا تعاقب عليه حال الهم ‘لا حين تعاقره .
فرد بسليقة وبداهة : كب عنك الفلسفة يابعدي وهالملاحدة مالهم إلا التراب , وترى هم اليوم وخواطره تنقلب بكرة لفعل ..

فهبت الصحن الأبيض المستدير بين يديه , وهو يمسك حافتيه بكلتا يديه , وكأنه يتحسس قطر دائرته .. وقلت : النظرية الشيوعية زالت وبادت في سبعين عاماً , ولكنها بلعت بلداناً وأحرقت شعوباً وآمن بها دهاقنة من كبار الأدمغة الغربية وحري بها أن تقرأ فصول تجربتها المرة كاملة وتروى للأجيال القادمة بتفاصيلها وصعود نجمها ثم أفوله .. ليعي الشباب حركة التاريخ ودورة المجتمعات التي تعرك الناس كدولاب مدور يأكل البشر بحركته ولا يعود للخلف أبداً ..


ولا من قراءة واعية لحركة الأفكار في بلداننا العربية في عصرنا هذا , وسريان النظريات في الذهنية العربية العاشقة للصوت والصراخ , والتي قال عنها القصيمي وصدق : إن العرب لا يعدوا كونهم ظاهرة صوتية فحسب .



قمنا ورتب كل منا هندامه كما يرتب حياته وأفكاره .. وتواعدنا هذه المرة مساءً ,, ليكون لنا لقاء ..



مو وبسسسس .

جرة قلم
25-May-2010, 09:00 PM
..

أيتها الروح الظامئة ..

أيها العقل المكابر ,
ياكل الأمنيات الغافية ,
يا عقد الصبا وذكرياته ,
يا غصص الصدر وجراحه ,
يا أيها القلب الغبي ,
يا نبض الحياة في دمي ,
ياطفلاً مستكناً بعروق فؤادي ,
يا دعاة الخير والشر وسط أضلاعي ,



أناديكم يا سكان ذاتي والأعضاء المنتظمين في داخلي : هلموا لنعقد صلحاً وهدنة , أونتفق على صفقة , ولتضع الحرب أوزارها بيني وبينكم ..


فارقوني واتركوني وشأني أو سأموت قريباً ..


نعم , صدقوني سأغادركم قريباً إن لم ترفقوا بي .. صدقاً وسأعترف :

جرعتموني العناء فهل من نهاية لهذا العراك بيني وبينكم وأشبعتم صاحبكم وجعاً وهاجساً لا يكف عن تعذيبي , أريد جرعة من رضا عني .

أشعروني أني أنتمي لهذا العالم , أني من ذوات الدم الصالح , أبعدوا عني شبح الذكريات الموجعه التي تطاردني , تساعدوا معي لأعيش بهدوء وسلام معكم , فهذا أوان السلام العالمي وزمن التسامح الأممي ..

قليلاً من جرعات الوخز المؤلمة التي تضخونها بعروقي صباح مساء .. أرسموا لي وعني صورة مبهجة ومريحة لي , تسامحوا معي واعفوا عني إن قسوت عليكم يوماً ما , أو هجرتكم , الآن عييت قواي وتاهت خطواتي وتسربلت قدامي في درب الحياة .. لنكف عن التعاكس ولنرسم للوئام خططاً بيني وبينكم ..



صدقوني أشعر بالهزيمة أمامكم , وقد اتحدتم صفاً ضدي , وسرى إلي هاجس النهاية وبدأت أعيش لحظات الفراق , صدقوني أصبحت أرى الحياة لا تعدو قيمة الريال الممزق بيد طفل مدلل .

كفاكم قمعاً لي بينكم وطرداً لهدوئي وطمأنينتي من مملكة قلبي , رافقتني الدموع طفلاً وعفتها كبيراً فلا ترجعوني لعهود الصبا رجوتكم , لتصبروا فلربما يحملوني على نعش نحو الجدث والتراب قريباً فيهدأ أوار العراك , واصطلام العنف بيني وبينكم .





يا سكان ذاتي : لقد أتعبتم صاحبكم , وأضعفتم كثيراً من طموحه , وأطفأتم شعله وبريق عينيه , مات الضياء بخافقي بجهدكم , وذبل النظر وجف المطر , كله بمعاكستكم ومعاندتكم لي ..


فهاأنا أمد يدي لكم مهادناً , أو إن شئتم مستسلماً كي لا أعيش ..

فقد طاب لي الرحيل ورب الكون ..



وبسسس ..

جرة قلم
25-May-2010, 11:02 PM
عصراً .. لقيت صاحبي الكويتي في ردهة الفندق , وهو رجل منظم ومرتب في تفاصيله , كنت أريد شراء بعض الأشياء ,فدعوته لمرافقتي فرحب بأريحية وكرم ,


خركنا من باب الفندق وانعطفنا نحو اليسار ,, ثم طفقنا نمشي في جو يناغي الأرض ويهيئها لقدوم المطر ..

أدخل يده في جيبه ثم أشعل سيجارته .. قال لي : لن تصدق ,, وهو يسحب جرعة بالغة لصدره ثم ينفثها بنشوة بادية على وجهه .. قلت له : سأصدق ..


قال : في العام المنصرم شارفت على الموت وهيأت نفسي لمغادرة كوكب الأرض , مرت علي تجربة مريرة عصفت بي وبتجارتي وعلاقاتي ومشاريعي وبهدوئي .. فترة عصيبة صبغت حياتي بعدها بلون آخر غير الألوان التي تعودت تلوين حياتي بها ,,


ابتلاني ربي بمرض السرطان أظنه قال في الغدد اللمفاوية وجئت إلى أمريكا لأتعالج قبل عامين ونصف تقريباً , وتكلفت الكثير والكثير ,, والأغلى من ذاك كانت دموع والدتي وزوجتي ونحيب بنياتي ..



لكني حظوت منها بالتوبة والعودة لربي , والمحافظة على صلواتي , والبعد عن دشير الكويت وسمرمده , لقد شارفت على الموت يا رفيقي , ولامست النهاية بيدي , لكن ربي أمهلني لأعيد حساباتي , صدقني كانت خيراً لي إذ أعدت ترتيب ذاتي وطاردت الفوضى العابثة بداخلي , وعدت من جديد برؤية للحياة جديدة , أول حرف فيها أنها أقل مما نتصور وأقصر مما نظن , ولا تستحق الهم والضيق فلدينا الكثير مما حبانا الإله ..




مارست هوايتي .. الإصغاء والتأمل في كلماته والإبحار مع بوحــه وكأنني أسمع بكل حواسي وأشرب تجربته وأستلهم منها الزيادة لوعي لدي أو كشف الغطاء عن عيني ..



لاحظت أنه دقيق جداً في خطواته , ومنتبه لوجة سيرنا , بينما أنا صاحب الحاجة ( أدرعم ) من غير تفكير في طريقي , لقينا في طريقنا مقهى معترض بطراز قديم فاقترحت عليه أن نحتسي قهوة أو شاياً أو حتى ماء بارداً , المهم أن نرخي العنان لأقدامنا المرهقة من ضجيج المشي , وأدمغتنا المتعبة من همس الأفكار المتجولة فيها ..


سحب السيجارة الثانية .. طلبت عصير ليمون وطلب شاياً وسمعته يعطي النادل تعليمات ويؤكد عليه بشأن تفاصيل محببه لطلبه , عادتي لا أحتفي بمجئ التفاصيل ولا أهتم لها , وكم خسرت في حياتي من عدم التركيز على بعض التفاصيل ..


قال لي : في دبي قبل سنوات أشعل الشيطان في الرغبة المجنونة لمعاقرة اللذة الملعونة , فأخذت مومساً روسية بعد البيع والشراء والمساومة والتخفيضات بيني وبينها لتؤجرني جسدها سويعات أركض في خارطته وانتعل جغرافيته وأتجرع أنانيتي ووأعيش مع العالم السفلي من بني البشر .. والسبب كثرة ما أسمعه من الأصدقاء وتهكمهم علي وعلى رجولتي .. أخذتني النخوة اليعربية وقلت : مالفرق بيني وبينهم ؟ لأجربها ولأفعل مثل ما يفعلون .






وفي الطريق تكلمت مع سائق التاكسي وكانت بجواري , واسترابت في وأنا أتحدث معه بالعربية تبرمت وتضايقت , حتى انفجرت وصاحت بنا باللغة الانجليزية : لا تتحدثوا مع بعضكم بالعربي شاركوني معكم في حديثكم ماذا تقولون ؟ فقلت لها : اخرسي ولا تتكلمي أنت جسد مستأجر لساعات لا حق لك لإبداء رأيك أو التعبير عن وجودك ومالك شغل فينا ..



ثارت بي تلك الفتاة الروسية ,فصرخت بها ولعنتها وشتمتها ثم أرجعتها لمكانها وطردتها من سيارتي فبكت , وقالت : مديري لن يرحمني الليلة .. سيطلب مني المال وقدر رآني وأنا أركب معكولن يصدقني , وسالت دمعاتها بحرقة على خديها تستعطفني أن أعطيها ولو نصف القيمة فأبيت وطردتها وقلت وقد استيقظ الملك بداخلي : لن أتصدق على زانية .


وسائق التاكسي يراقب المشهد بصمت , رجعنا للفندق ولما أردت حسابه على مشواره أبى أن يأخذ شيئاً وقال لي : تركت الحرام وأنا أعبر عن امتناني بإكرامك هذا الإكرام البسيط ..


بدا يفلسف لي عن تصرف سائق التاكسي ويمد الأبعاد في قراءة هذا الموقف , وسألني : أتعلم لماذا عصمني ربي من مقارفة الرغبة الملعونة ؟ قلت له : طبعاً لا ..


قال : أم صالحة أحبها و أبرها كثيراً لا تكف عن الدعاء لي ..
وأخذ يحدثني عن تجارب أصدقاءه المريرة في دبي وتايلند والمنامة , منها مايضحك , ومنها ما يصيبك بالاشمئزاز , ومنها ماتعجب لرجولة من تظنهم بدشير البلد ونخوتهم , ومنها ما لاتملك له تفسيراً في فهم هذه النفس البشرية وتقلباتها , ومنها ..



مارست هوايتي وشهيتي في التهام الكلمات التي أسمعها ومعالجتها بتحليلي وعجنها وعفكها في ورشة دماغي البليد , وأختلس نظرات لعينيه لأقرأ منها جمال الشفافية والتعري من رداء الكبرياء وعباءة الزخم البالية ,






بعد الشراء وكثير من الثرثرة وخطوات مرهقة من المشي وصلنا لفندقنا .. وجلست في ردهته أولا .. اتصل بولده ودعاه للجلوس معنا , ثم تجولنا في أفياء هذا الفندق والحديث لا ينقطع بيني وبينه .. حدثني عن تجارته عن وقته عن جدوله في الكويت عن سفراته عن ديوانيته عن والدته , ولم أشبع من ذاك الحديث الشهي .








جاء المساء وجاء معه بصاحبنا النجدي , وقد اشترى لولده ( بويت صغير ) بأقل من نصف مليون دولار وأنهى جلساته مع المحامي لإنهاء الاجراءات المعتادة .. ورحب بنا بلكنة فيها حنو الوالد وحدبه , ورحبنا به ونثرنا له الأشواق , ثم باركنا له الشراء , واتفقنا على نصف ساعة ثم نغادر المكان لتسكع محبب وجلسة نتبادل فيها المهاذرة والثرثرة .. وكثير من العراك مع وقليل من الوفاق .



وبس ..